يوم الهندسة المصري .. نقطة تحول في حياة الكثيرين
لا أدري من أين أبدأ الموضوع .. فمازلت لم أخرج بعد من الحالة التي تنتاب المشاركين في أكبر مؤتمر للمهندسين و طلبة الهندسة في مصر , يوم الهندسة المصري , بالرغم من أن قد مر على إنتهاءه أكثر من ثلاثة أيام. تلك الحالة التي تجمع بين الفرح بما قدمناه و الأمل و التفاؤل بما هو قادم و الوطنية و الحماس و الحنين إلى اللحظات التي قضيناها على مر الأيام الثلاث !
كنت قد دعيت لإلقاء كلمة في إحدى المحاضرات التي أقيمت في يوم الهندسة المصري حول تاريخ هذا المؤتمر و قصص نجاح المشاركين فيه و التي تكلم فيها العديد من الذين شاركوا في الأعوام السابقة , و قد كنت أمثل المشاركين الذين لم يتخرجوا بعد. و لم يكن من العناء أن أستعد أو أحضر لتلك الكلمة و أتذكر ما الذي إستفدته من مشاركتي كعارض لمشروع لعامين متتاليين في يوم الهندسة المصري , بل حتى إنني قد نسيت بعض النقاط المهمة من كثرة الأشياء التي إستفدت بها. و سأذكر منها ما أتذكره الآن حتى أوصل بعض الرسائل , قد يراها البعض صغيرة أو تافهة , غير أنها تمثل نقطة تحول كبيرة في حياة الكثيرين.
أولاً ..
بحكم بعض المفاهيم الخاطئة المنتشرة في المجتمع , وضع البعض صورة نمطية لطلبة الجامعات تحولت إلى حقيقة بعد أن قد دفنت الصورة الحقيقية تحت أوهام المتشائمين. فقد إعتقد البعض بأن طالب البكالريوس عاجز عن أن يعلم نفسه بنفسه و عاجز عن أن يكتشف طريقه وحده و يقوده أساتذته إلى طريقه كالأعمى حتى التخرج. و بهذه النظرة الإستصغارية كثيراً ما يتعثر الطلاب عندما يبدأون في مشروع تخرجهم و يتعثر الخريجين في بداية حياتهم العملية إذ أنهم لم يعتادوا على العمل الجاد المتواصل و الإعتماد على النفس في تحصيل المعلومات و حل مشاكلهم بأنفسهم رغم أن الفرصة كانت أمامهم لسنوات لكنهم لم ينتهزوها. ففي أثناء العام الدراسي إذا كلف الطلبة بعمل مشروع صغير يتعلق بإحدى المواد الدراسية لا يجد الطلبة الظروف الكافية التي تجعلهم يستفيدون من هذا الأمر. ففي أغلب الأحيان لا تشكل المشاريع العملية نسبة كبيرة في تقييم المادة و ينشغل الطلبة بالمذاكرة للإمتحانات إذ أنه في أغلب الأحيان يعد التفرغ للعمل في المشروع تضييعاً للوقت و إنشغالاً عن المذاكرة ! .. فيلجأ الطلبة إلى الإنتهاء سريعاً من المشروع العملي عن طريق تقديم شئ تقليدي مكرر خالي من الإبداع و الإبتكار بل و قد يكون مليئ بالأخطاء التي لم يجد الطلبة وقتاً ولا تشجيعاً على إصلاحها نظراً لإن أستاذ المادة سيراعي ظروفهم. و في مثل هذه الظروف يتم قتل الإبداع بداخل كل من أراد أن يبدع و يبتكر شيئاً في مشروعه فضلاً عن أنه سيحارب من قبل بقية الطلاب الذين من مصلحتهم أن تكون المشاريع كلها متساوية حتى يراعي الأستاذ ظروفهم ! كما سيحارب من قبل مدعي النصح و الواقعية الذين يرون أن ما سيقوم به تضييعاً للوقت في ما لا يفيد !
و كحل لتلك المشكلة يلجأ بعض الناجين من تلك الكارثة إلى أن يعلموا أنفسهم شيئاً و لو بسيطاً في فترة الأجازة الصيفية. غير أن هذا الأمر عادةً ما لا ينجح نظراً لإن الأغلبية تفقد حماسها بعد فترة خصوصاً عندما لا تجد ما يحفزها على الإستمرار. خصوصاً و أن أغلبية المحيطين به لن يشجعوه على هذا الأمر.
و قد كان الحل الأمثل لهذا الأمر – بالنسبة لي و للكثيرين غيري – هو أن أشارك كعارض لمشروع في يوم الهندسة المصري. ففي أثناء فترة تنفيذ المشروع لن أجد ما يدفعني لإهمال النواحي الإبداعية في المشروع بل سأجد ما يدفعني لها لأنني أريد أن أقدم أفضل ما عندي. فلم يعد هناك أي مبرر يجعلني أهمل بعض الأشياء و أتغافل عن بعض الأخطاء كما قد يحدث في أثناء الفترة الدراسية. و في ذات الوقت لن أصاب بالملل و أستشعر عدم جدوى ما أفعله أو أتكاسل و أتباطأ و ذلك لأن هناك موعد يجب أن أكون قد إنتهيت من كل شئ قبله و الأمر ليس مفتوحاً.
و قد يتسائل البعض كيف يقوم بعمل منتج أو مشروع و هو قليل الخبرة و ليس عنده أفكار ؟؟ .. بالنسبة للأفكار فهذا أسهل ما في الأمر. فلا أعتقد بأن هناك شخص لا يواجه أي مشاكل في حياته. إن كان لا يواجه آية مشاكل هندسية فهذا جيد فليعش سعيداً ! و إن كان يواجه بعض المشاكل فليقم بحلها ! و إن كان قليل الخبرة فهذه ليست مشكلة كبيرة. بل هي فرصة جيدة لكي يتعلم و يعتمد على نفسه في التعلم. و أكثر المعلومات تذكراً عند الطلبة هي المعلومات التي حصل عليها بعد أن شعر بأهميتها و حاجته إليها.
ثانياً ..
يعد يوم الهندسة المصري تدريباً عملياً على فن التسويق و طرح منتج جديد أو فكرة جديدة. فالعارضين يتحدثون خلال الثلاثة أيام عن مشروعهم ربما مئات المرات. و في كل مرة يكتشفون من خلال إنطباع و رد فعل الزائرين شيئاً جديداً كان يمكنه أن يجعل طريقة عرضهم للمشروع أفضل و أوضح و أكثر لفتاً لإنتباه المستمعين و ربما أقل في عدد الكلمات. فربما يبدأ الواحد منهم في اليوم الأول بعرض المشروع خلال خمسة دقائق و ينتهي به الأمر في اليوم الأخير بأنه قد إستطاع أن يلخص المشروع في دقيقة واحدة و بطريقة أكثر ترتيباً , بغض النظر عن كون العارضين يفقدون أصواتهم منذ اليوم الثاني ! و بالطبع فهذا يساعدهم بشكل كبير على التدرب على كيفية تقديم أنفسهم في المقابلات الوظيفية Job Interviews.
ثالثاً ..
تعلمت من مشاركتي في يوم الهندسة المصري أن أكسر حاجز الخوف و الرهبة من تقديم نفسي و أعمالي إلى الناس. ربما يصاب البعض ببعض الرهبة و التشكك في ذاته على سبيل المثال إذا ما ألقى محاضرة أو كتب مقالاً. فيشعر أحياناً بالخجل من نفسه و من ما قدمه و يتمنى أن لم يكن قد ألقى المحاضرة أو كتب المقال. و بالرغم من ذلك فإن القراء و المستمعين لن يشعروا بهذا الأمر و بل و قد تعجبهم المحاضرة أو المقالة. و هذا بسبب أن هذا الخوف ليس إلا وهم بداخلنا و لا وجود له على أرض الواقع. نفس الأمر يتكرر مع المشاريع التي نعرضها في يوم الهندسة المصري. ففي البداية قد يستصغر الواحد منا مشروعه – خصوصاً إذا كان مشروعه ليس بمشروع تخرج – و قد يشعر بالخجل من عرضه بجانب بقية المشاريع. غير أننا شيئاً فشيئاً سيزول عندنا هذا الشعور بعد أن نكتشف حقيقة أن هذه المخاوف لا توجد إلا بداخلنا ولا وجود لها على أرض الواقع.
رابعاً ..
يعد يوم الهندسة المصري مدرسة عملية للتربية الوطنية .. فلم تقدم ألاف المحاضرات و الخطب و لم تجدي دراسة “مادة التربية الوطنية” شيئاً يذكر بالمقارنة مع ما تعلمته من يوم الهندسة المصري. فإجتماع العديد من الطلاب من مختلف المحافظات. و ربما تجد بعض الخلافات السياسية إلى جانب الجغرافية. غير أنهم تجمعهم نفس المشكلات في التعليم و سوق العمل. تربطهم نفس الأهداف و نفس الأحلام. يعملون معاً على أرضية واحدة. يشجعون بعضهم بعضاً على المواصلة نحو هدفهم و يخدمون بعضهم بعضاً بلا مقابل.
ربما يكون هناك المزيد من الأشياء التي لا أتذكرها الآن .. و لعل الكثيرين لديهم العديد من الإستفادات التي خرجوا بها. فهكذا تكون الأعمال التي تجمع شمل الوطن. مخطئ من يظن بأننا متفرقين و كسالى. نحتاج فقط إلى أن نتجمع على حلم واحد و على أرضية مشتركة. و الآن أترككم مع الفيديو الختامي ليوم الهندسة المصري العاشر لعام 2011.